الإفتاء تحسم جدل “وليمة رجب”

القاهرة: العاصمة والناس
دليل دار الإفتاء المصرية حول حكم عمل الوليمة والذبح (العتيرة) في شهر رجب
تلقى علماء دار الإفتاء المصرية سؤالاً جوهرياً يشغل بال الكثيرين مع بداية شهر رجب الحرام، وهو: “ما حكم الشرع في عمل الوليمة في شهر رجب؟”.
وقد جاء الرد مفصلاً ليوضح الجوانب الفقهية والسنن النبوية المتعلقة بهذا الأمر، مؤكداً على مشروعية هذه العادة الحسنة وضوابطها الشرعية.
أولاً: حكم عمل الوليمة في شهر رجب شرعاً
أفادت دار الإفتاء المصرية بأن عمل الوليمة في شهر رجب جائزٌ شرعًا ومندوبٌ إليه، سواء كان ذلك من خلال إطعام الطعام وجمع الناس عليه، أو من خلال الذبيحة التي تُخصص لهذا الشهر والتي تُعرف بـ “العتيرة”.
وقد وضعت الدار عدة ضوابط لضمان قبول هذا العمل وصحته، وهي:
- مراعاة عدم الوقوع في الإسراف والتبذير.
- خلو الاجتماع من أي محرمات في المطعم، المشرب، المفرش، أو اللهو المحرم.
- تحقيق العدالة: ألا يقتصر الدفع فيها للأغنياء فقط ويُحرم منها الفقراء، بل يجب أن تشمل الجميع تحقيقاً لمعاني الإحسان وجبر الخواطر.
ثانياً: بيان المعنى اللغوي والشرعي لـ “الوليمة”
كلمة “الوليمة” مشتقة لغوياً من “الوَلْم”، وهو الاجتماع. وفي العرف الفقهي:
- تُستخدم مطلقة عند الحديث عن **وليمة العُرس**.
- تُستخدم مقيدة عند الحديث عن غير العرس (مثل وليمة رجب).
- تقع على كل طعام يُصنع للاحتفال بسرور حادث.
- تحصل بالذبح أو غيره: كل ما يطلق عليه اسم طعام فهو وليمة، وإن كان اللحم أفضل للقادر عليه.
واستشهدت الدار بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن وليمة النبي ﷺ في زواجه من السيدة صفية، حيث لم يكن فيها خبز ولا لحم، بل كانت من التمر والأَقِطِ والسمن، مما يدل على أن الوليمة تُقام بحسب قدرة الشخص ولا تقتصر على الأغنياء.
ثالثاً: التفصيل في حكم إطعام الطعام والذبح في رجب
ينقسم عمل الوليمة في هذا الشهر إلى نوعين كلاهما مستحب:
1. إطعام الطعام وجمع الناس
هو من جملة الأعمال المستحبة في كل وقت، ويزداد فضله لكونه يقع في زمان مفضَّل وهو أحد الأشهر الحرم، مما يعطيه مزية شرعية كبرى.
2. ذبيحة رجب (العتيرة أو الرجبية)
أكدت دار الإفتاء أن السنة النبوية حفلت بنصوص تدل على استحباب الذبح في رجب تقرباً لله تعالى، ومنها:
حديث مِخْنَفِ بن سُلَيمٍ رضي الله عنه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَ **عَتِيرَةً.. وهي التي يسميها الناس الرجبية».
حديث حبيب بن مخنف: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَنْ يَذْبَحُوا شَاةً فِي كُلِّ رَجَبٍ».
حديث نُبَيْشَةَ الهذلي عندما سأل النبي عن العتيرة في الجاهلية، فأجابه ﷺ: «اذْبَحُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا لِلَّهِ، وَأَطْعِمُوا».
رابعاً: آراء المذاهب الفقهية في “العتيرة”
أوضحت الفتوى أن استحباب الذبح في رجب هو مذهب:
- الشافعية: حيث أكد الإمام النووي في “المجموع” أن العتيرة والفرع مستحبان ولا يكرهان.
- رواية عن الإمام أحمد بن حنبل: كما نقل عنه حنبل باستحبابها.
- أهل البصرة وابن سيرين: الذين ذهبوا إلى تعظيم هذا الشهر الحرام عبر هذه القربة.
خامساً: الرد على شبهة حديث «لا فرع ولا عتيرة»
أجابت الدار عن الحديث المتفق عليه الذي يبدو ظاهره النهي، وأوضحت أن العلماء حملوه على عدة محامل:
نفي الوجوب: أي أنها ليست فريضة كالأضحية ولكنها تظل سنة مستحبة.
نفي عادات الجاهلية: النهي كان عما يُذبح للأصنام أو بغير نية خالصة لله.
تفرقة الثواب: أن الأضحية لها ثواب خاص بإراقة الدم، أما العتيرة فثوابها في بر الصدقة وإطعام المساكين.
الخاتمة والكلمة النهائية لدار الإفتاء
أكدت دار الإفتاء المصرية في نهاية بيانها أن إقامة الولائم والذبائح في شهر رجب هي ممارسة مشروعة ومستحبة، تساهم في إظهار فضل الشهر وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي، مع ضرورة الالتزام بالآداب الإسلامية في الإطعام والابتعاد عن الرياء أو التبذير.
إليكم التفاصيل الفقهية حول كيفية تقسيمها وتوزيعها وفقاً للسنة النبوية وقواعد الشريعة:
1. التقسيم الثلاثي (الأفضل والمستحب)
يرى جمهور الفقهاء (خاصة الشافعية والحنابلة) أن الطريقة المثلى لتقسيم الذبيحة التي يُتقرب بها إلى الله (كالأضحية والعتيرة) هي تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء متساوية:
- الثلث الأول (لأهل البيت): يُخصص لصاحب الذبيحة وأسرته، وهو من باب التوسعة على الأهل في الشهر الحرام.
- الثلث الثاني (للأقارب والأصدقاء): يُوزع كـ “هدية” على الأقارب والجيران والجلساء، وذلك لتعزيز روابط صلة الرحم والمودة.
- الثلث الثالث (للفقراء والمساكين): يُوزع كـ “صدقة” على المحتاجين، وهو الجزء الأهم لتحقيق مقصد “جبر الخواطر” الذي ذكرته دار الإفتاء.
2. ضوابط التوزيع الشرعية
عند توزيع العتيرة، يجب مراعاة الآتي:
- جواز التصدق بالكل: يجوز لصاحب الذبيحة أن يتصدق بها كاملة على الفقراء، وهذا أعظم في الأجر.
- الحد الأدنى للصدقة: يجب شرعاً إخراج “جزء” ولو يسيراً منها للفقراء والمساكين؛ فلا يجوز شرعاً أن يأكلها صاحبها مع الأغنياء فقط ويحرم منها المحتاجين.
- حالة اللحم: يُفضل أن يُوزع اللحم نيئاً على الفقراء ليتصرفوا فيه كما شاؤوا، أما في حال عمل “وليمة” (طعام مطبوخ)، فيُدعى إليها الفقراء جنباً إلى جنب مع الأهل والأصدقاء.
3. آداب إخراج العتيرة في شهر رجب
- النية:يجب استحضار نية “التقرب إلى الله” وإطعام الطعام، وليس التفاخر أو مجرد العادة.
- تجنب المن والأذى: توزيع الصدقة بكرامة وأدب مع الفقراء.
- اختيار الأفضل: يُستحب أن تكون الذبيحة من أفضل مال الشخص ومن النوع الجيد، لقوله تعالى: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
- عدم إعطاء الجزار أجرته منها: لا يُعطى الجزار أجرته من اللحم أو الجلد كجزء من أتعابه، بل يُعطى أجره نقداً، ويمكن إعطاؤه من اللحم كـ “صدقة” أو “هدية” إذا كان محتاجاً.
- للمزيد : تابع العاصمة والناس، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر .

