تقارير

أسبوع العمل 4 أيام: نجاح باهر وتحديات قادمة

هل تودع الشركات نظام الـ 5 أيام عمل للأبد؟

كتبت: منى حمدان

لماذا تتجه كبرى شركات العالم للعمل 4 أيام فقط؟

عطلة أطول وإنتاجية أكبر.. لماذا يهرول العالم نحو أسبوع العمل المكون من 4 أيام؟

في عالم لم يعد يهدأ، حيث تلاحقنا إشعارات البريد الإلكتروني حتى في أحلامنا، بدأ “الوحش الاقتصادي” العالمي يعيد التفكير في قواعد اللعبة.

لم يعد السؤال اليوم: “كيف نعمل أكثر؟”، بل أصبح: “كيف نعمل بذكاء أقل في الوقت، وأكثر في الإبداع؟”.

لقد بدأت ثورة صامتة تجتاح المكاتب من ريكيافيك إلى دبي، ومن لندن إلى طوكيو؛ ثورة عنوانها العريض: “أسبوع العمل المكون من 4 أيام”.

فهل نحن أمام رفاهية زائدة، أم أنها ضرورة حتمية لإنقاذ ما تبقى من صحتنا النفسية وكوكبنا؟

نهاية عصر “الساعات الثماني”

منذ الثورة الصناعية، استقر العالم على فكرة الخمسة أيام عمل، وهي الفكرة التي تبناها “هنري فورد” في عشرينيات القرن الماضي.

لكن، ما كان يصلح لمصانع السيارات قبل مائة عام، لم يعد يناسب عصر الذكاء الاصطناعي والعمل السحابي.

التقارير الصحفية العالمية تشير إلى أن الموظف بمتوسط إنتاجيته لا يعمل فعلياً أكثر من 3 إلى 4 ساعات بتركيز كامل في اليوم.

ما تبقى من الوقت يضيع في اجتماعات روتينية، تصفح لوسائل التواصل، أو ببساطة “إهدار الوقت” بسبب الإجهاد. من هنا انطلقت الفكرة: ماذا لو ضغطنا هذا الوقت ومنحنا الإنسان يوماً إضافياً للحياة؟

تجربة بريطانيا.. الصدمة السعيدة

في واحدة من أكبر التجارب العالمية التي شملت عشرات الشركات في المملكة المتحدة، كانت النتائج مذهلة لدرجة أنها أربكت الحسابات التقليدية.

لم تنخفض الإنتاجية كما توقع المتشائمون، بل ارتفعت بنسبة نمو ملحوظة.

الأهم من الأرقام كان “الإنسان”؛ فقد انخفضت معدلات الاستقالة بنسبة 57%، وتراجعت حالات الاحتراق الوظيفي (Burnout) بشكل درامي.

الموظفون عادوا بابتسامة، والشركات حافظت على أرباحها. المعادلة كانت بسيطة: موظف سعيد يساوي عملاً متقناً.

لماذا ينجذب أصحاب العمل لهذا النموذج؟

قد تعتقد أن الشركات تخسر يوماً من الإنتاج، لكن الحقيقة هي أنها “تشتري” ولاء موظفيها. إليك الأسباب التي تجعل المديرين التنفيذيين يغيرون رأيهم:

  • جذب المواهب: في سوق عمل تنافسي، أصبح يوم الجمعة (أو السبت) الإضافي ميزة تنافسية أقوى من زيادة الراتب أحياناً.
  • تقليل التكاليف التشغيلية: إغلاق المكاتب يوماً إضافياً يعني توفيراً هائلاً في الكهرباء، التبريد، وخدمات الصيانة.
  • الاستدامة البيئية: تقليل التنقل ليوم واحد أسبوعياً يقلص الانبعاثات الكربونية بشكل ضخم، مما يجعل الشركات تبدو “خضراء” أمام المستثمرين.

الصحة النفسية: العمل لتعيش لا لتموت

نحن نعيش في “وباء الإرهاق”.

التوتر المرتبط بالعمل يكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات سنوياً بسبب الغيابات المرضية.

أسبوع العمل القصير يمنح الموظف فرصة لممارسة الرياضة، قضاء وقت مع العائلة، أو حتى مجرد “التفكير”، هذا التوازن يخلق مرونة عصبية تجعل الموظف أكثر قدرة على حل المشكلات المعقدة عند عودته للمكتب.

هل يصلح هذا النموذج للجميع؟

بالطبع، التحديات موجودة. لا يمكن لمستشفى أو قسم شرطة أن يغلق أبوابه، لكن الحل يكمن في “التناوب”. العالم يتجه نحو المرونة، حيث يتم توزيع المهام بحيث لا يتأثر سير العمل، مع ضمان حق كل فرد في عطلته الطويلة.

الخلاصة: المستقبل ينادينا

إن التوجه نحو أسبوع العمل المكون من 4 أيام ليس مجرد “تريند” عابر، بل هو اعتراف دولي بأن الإنسان ليس آلة. نحن نتحرك نحو عصر يقدر القيمة (Value) فوق عدد الساعات (Hours).

العالم يتغير، والشركات التي ستتمسك بالنماذج القديمة قد تجد نفسها وحيدة في مكاتب فارغة، بينما يرحل المبدعون إلى حيث يجدون وقتاً للتنفس والابتكار.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى