تقارير

حكاية أول فانوس في التاريخ!

من النحاس للبلاستيك.. كيف تحول "فانوس" المعز لدين الله إلى لعبة أطفال؟

كتبت: منى حمدان

 حكاية فانوس رمضان من أيام الفاطميين لبهجة المماليك

رمضان في مصر ليس مجرد شهر للصيام، بل هو “حدوتة” عمرها أكثر من ألف سنة.

هل سألت نفسك يوماً وأنت تمسك بفانوسك أو تجلس أمام مائدة الإفطار: “من أين جاءت هذه الأفكار؟”.

الحقيقة أننا نعيش في “متحف مفتوح”، وكل ما نفعله اليوم هو تقليد لما كان يفعله أجدادنا في العصرين الفاطمي والمملوكي.

سر الفانوس.. كيف أضاء المصريون ليل القاهرة؟

الحكاية بدأت من “الفاطميين”. تخيل معي القاهرة ليلة 15 رمضان سنة 362 هجرية، الشوارع مظلمة تماماً، وفجأة ظهرت آلاف الأضواء المتحركة!

أول فانوس في التاريخ

عندما دخل “المعز لدين الله الفاطمي” القاهرة ليلاً، خرج المصريون لاستقباله.

ولأن الدنيا كانت ظلاماً، صنعوا إطارات من الخشب وغطوها بالجلد الملون ووضعوا داخلها شموعاً.

أعجب الخليفة بالمشهد، ومنذ تلك اللحظة، أصبح “الفانوس” هو بطل رمضان.

فانوس زمان: لم يكن لعبة بلاستيكية تغني، بل كان قطعة فنية من النحاس والزجاج الملون، يُضاء بالشمع والزيت.

قانون الفانوس: هل تصدق أن “الحاكم بأمر الله” أصدر أمراً بمنع النساء من الخروج ليلاً إلا إذا سار أمامهن طفل يحمل فانوساً؟ ليفتح الناس لهن الطريق!

موائد الفاطميين.. ملوك “الحلويات” والقطايف

الفاطميون هم “أصحاب واجب” من الطراز الأول. هم من اخترعوا فكرة توزيع الطعام والحلوى بشكل رسمي ومنظم.

دار الفطرة (مصنع البهجة)

أنشأ الفاطميون مكاناً يشبه “المصنع الكبير” اسمه دار الفطرة. مهمته الوحيدة هي صناعة أطنان من الكنافة والقطايف وتوزيعها على الناس مجاناً.

مائدة الخليفة: كانت تسمى “السماط”، ويصل طولها أحياناً لـ 300 متر! كانت تضم كل ما لذ وطاب من اللحوم المطهوة بالعسل والزعفران.

أصل الكنافة والقطايف: ظهرت في هذا العصر كـ “اختراع” ملكي ليساعد الصائمين على تحمل الجوع، ثم أصبحت “أكلة الشعب” المفضلة.

رمضان المملوكي.. عصر “العزومات” والشهامة

بعد الفاطميين، جاء المماليك. وبما أنهم كانوا محاربين، فقد كان رمضان بالنسبة لهم هو شهر “إطعام الجائعين” بقوة.

المسحراتي.. “يا نايم وحد الدايم”

في العصر المملوكي، تطورت مهنة المسحراتي. لم يعد مجرد شخص ينادي، بل أصبح فناناً يحمل طبلة صغيرة (البازة) ويدور في الحارات ليلاً، ينادي على الناس بأسمائهم ويقول لهم عبارات تشجعهم على السحور والقيام.

موائد المماليك الشعبية

المماليك كانوا يعشقون الفخامة. كانت موائدهم تتميز بـ:

الخراف المشوية: كان السلطان المملوكي يذبح مئات الخراف يومياً لتوزع على الفقراء في “التكايا”.

قمر الدين: في هذا العصر، انتشر استخدام المشمش المجفف والمكسرات بشكل كبير جداً.

لوحات من الماضي: كيف صور المستشرقون رمضان؟

إذا نظرت إلى اللوحات القديمة التي رسمها الرحالة، ستجد مشاهد تقشعر لها الأبدان من الجمال:

مآذن الجوامع (مثل الأزهر والحسين) وهي تتلألأ بالقناديل الزيتية.

الأطفال وهم يجرون في “الحواري” الضيقة بفوانيسهم النحاسية التي تخرج منها ظلال هندسية رائعة على الجدران.

الناس وهم يجلسون على “المصاطب” أمام البيوت يتبادلون أطباق الطعام قبل الأذان بدقائق.

أهم مظاهر رمضان في العصور الإسلامية

للتعرف على الفرق بين العصرين، يمكننا تلخيص المشهد في النقاط التالية:

العصر الفاطمي: ركز على الأناقة، المواكب الرسمية، وتوزيع الحلوى “الملكية”.

العصر المملوكي: ركز على الوقف الخيري، بناء الموائد في التكايا، وتطوير شكل المسحراتي.

كيف نستلهم روح رمضان القديم اليوم؟

لا تكتمل روعة رمضان إلا باستحضار هذه الروح.

يمكنك زيارة شارع “المعز لدين الله الفاطمي” لتشعر وكأن الزمان قد توقف هناك.

الفوانيس النحاسية التي تُباع في منطقة “تحت الربع” هي نسخة حية من تلك التي أضاءت ليالي القاهرة قبل ألف عام.

خلاصة الحكاية: لماذا رمضان مصر “غير”؟

لأننا ببساطة مزجنا بين شياكة الفاطميين و كرم المماليك. الفانوس الذي تشتريه لابنك اليوم هو “رسالة” من الماضي تخبرنا أن الفرحة في هذا البلد لا تموت.

رمضان في العصور القديمة لم يكن مجرد صيام، كان “حالة حب” جماعية تجمع بين الحاكم والمحكوم على مائدة واحدة وتحت ضوء فانوس واحد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى